samedi 3 février 2018

الحلقة الرابعة

"مكثنا طويلاً في أماكننا لا نبرحها، والزبانية – كما عُرف عنهم بعد ذلك – يطوفون حولنا كما يطوف الثور بالساقية، ثم جاء الأفعوان يتقدم سبعة عشر رجلاً تقريباً أو يزيدون على خيولهم، ممسكين بالسياط في أيديهم، بينما يمشي في كنفهم ستة رجال يحملون قدوراً ضخمة على ألواح من الخشب، كالنعش فوق أكتافهم كأنهم يشيعون جنازة، وما أن اقتربوا حتى رفع الأفعوان يده اليمنى التي بها السوط فأمسك من كان خلفه عن الحركة، ثم أشار إلى الرجال فوضعوا المحمل بقدوره الثقيلة الممتلئة بالأرز والطبيخ واللحم عن أكتافهم، حتى استقر على الأرض، ثم تنفسوا الصعداء كأنهم كانوا يحملون الأرض وذنوب العباد فوق أعناقهم. ثم طاف بنا والد المنذر "الأفعوان" صائحاً فينا بصوت جهوريّ ينطوي على الخبث وتنم نبرته عن التهكم والسخرية:

 "أنتم ضيوفنا اليوم.. اليوم فقط، فحقّ علينا أن نكرمكم، فنحن كرماء كما ترون، فكلوا واشربوا وانعموا بوقتكم". ثم أشار إلى أحد أتباعه فتحدث قائلاً: "انهضوا واصطفوا في نظام حتى نوزع عليكم الطعام". فاصطف الرجال مع الرجال، والنساء مع النساء والأطفال، وكان هناك أربعة رجال ممن يحملون القدور فوق أكتافهم، اختص أحدهم بتوزيع الأواني علينا، بينما اختص الثاني بغرف الأرز، والثالث بإراقة الطبيخ عليه، والرابع كان لا يبخل علينا بتكديس الإناء بقطع اللحم التي كان يسيل منها الإدام، ويتسلل إلى حبات الأرز. وتساوى في ذلك الشباب والشيوخ والنساء ... حتى الأطفال.. وما أن اكتظّت الأواني بالطعام حتى جلسنا نأكل في نهم شديد ونفترس قطع اللحم كما كانت الذئاب تفترسنا، ونحفّ الأرز المعجون بحبات البسلة وقطع الجزر الصغيرة بأيدينا، ولا نبالي إن سال إدام اللحم إلى ذقوننا ونحورنا.

  وصاح الأفعوان: "هذا عطاؤنا، ومن أراد الزيادة فليستزد، فالقدور مليئة، ألم أقل لكم أنها الجنة، فاشكروا الربّ". وما أن فرغنا من الطعام حتى صاح فينا الرجل: "الآن ليقدم كل رجل ذي أسرة إلى الكاتب – وأشار إلى رجل يجلس على كرسي خشبي ومعه سجل كبير – ليملي عليه اسمه وأسماء أسرته، حتى يبعث معه أحد رجالنا يرشده إلى بيته، البيوت كلها مرقومة فليحفظ كل منكم رقم بيته. هيّا.. هيّا لا تتكاسلوا". ثم التفت إلى رجاله متحدثاً إليهم: "أريد أن يسير كل شيءٍ كما أخبرتكم، لا تحيدوا عنه قيد أنملة". ثم انطلق عائداً.

  وبدأنا نسجل أسماءنا، وما أن يفرغ الكاتب حتى يبعث مع كل أسرة حارساً يرشدها إلى بيتها الجديد، وهكذا حتى تمّ الأمر وطُوي الكتاب ونزل كل منا منزله. 

  في الحقيقة كان كل بيت مجهزاً بأشيائه الضروريّة التي كنا في حاجة إليها، حتى البطاطين كانت موجودة، واطمأنّ الناس فقد وجدوا الطعام والشراب والمسكن، وكانوا قبل ذلك يتسكعون بحثاً عن فتات الطعام ولا يجدونه، لم يكونوا قد اطّلعوا بعد على القدر الذي يخفيه عنهم ستار الغيب، حتى صار حقيقة أمام أعينهم، وما هي إلا ساعات قليلة مكثناها في ديارنا حتى طاف بنا الزبانية يقرعون الأبواب بعصيّهم، حتى لكأنهم يقتحمونها ويأمروننا بصوت جهوريّ:

 "اخرجوا جميعاً إلى الخلاء .. اخرجوا لملاقاة الربّ" .. ملأت أصواتهم الجهورية وحركاتهم العنيفة على ظهور الخيل، وأصوات قرع الأبواب، قلوبنا بالذعر كأنه يوم النفخ في الصور، ولم نشعر بأنفسنا إلاّ ونحن نتسابق إلى الخلاء، تدفعنا أقدامنا المرغمة، واجتمع الناس في غمضة عين، كأنّ الأرض كانت تنشق عنهم، وجلسنا في نظام بديع، كجلوسنا للتشهد، بينما يطوف بنا الزبانية على ظهور الخيل في تخبط، وقد انتفخت أوداجهم، وتناثرت حبّات العرق فوق جباههم، وهنا عرفنا يقيناً أننا في خطر محدق، إذا كان هذا هو حال الخيّالة فإلى أيّ طريق مشئوم تعصف بنا أقدارنا؟!!
الروائي اشرف جاويش

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire