dimanche 4 février 2018

الحلقة الخامسة

 ظللنا هكذا في ترقب وانتظار قرابة الساعة أو ما يربو، دقائق مفزعة، لم يقتل صمتها سوى صوت الرجل ذي الجواد الأحمر الأغرّ وهو يصيح فينا: "انتصبوا، قفوا في أناة وخشوع". فانتصبنا لا نهمس، وإن كانت أقدامنا لا تقوى على حملنا، ولقد كان لما غرسه فينا الخيّالة – بطريقة مقصودة أو غير مقصودة – من الخوف والهلع ما ألجم السنتنا، وقذف في قلوبنا الانصياع للأوامر، وما هي إلاّ لحظات حتى رأينا أربعة من الرجال أو "الجبابرة" – كما أطلقنا عليهم بعد ذلك – وقد استووا على ظهور الخيل، كنا نعرف أحدهم، هو الرابع من جهة الشمال "الأفعوان" على جواده المعهود، ولكنّ أبصارنا انجذبت إلى الرجل الثاني من جهة اليمين، ذي الجواد الأبيض، فقد كان لهيبته والطريقة التي استوى بها على جواده منتصب القامة في شموخ، ونظراته النارية التي قذفنا بها من عينيه الزرقاوين، ووجهه الأبيض ذي البشرة الناعمة الغضّة، ومنكبيه العريضين، وأنفه الدقيق المستوي في رقة بالغة، ما نمّ عن أنه "ذلك المنتظر"، صاحب العطاء الجزيل، يرفل في عباءته السوداء، وحذائه الأسود اللامع، وكان للرجلين اللذين عن يمينه وشماله من صفات تتماثل كلياً مع صفاته ما جعلنا نعتقد بأنهما من نسل هذا الرجل، وأنّ الدماء التي تجري في عروقهما ما هي إلاّ نفس "الدماء المقدّسة" التي تسرى في عروقه، الذي حدجنا بنظرة طويلة صامتة، لم نجد حيالها من سبيل إلاّ أن نُنكّس رؤوسنا.   وكان جلال الموقف قد حمل الأطفال على البكاء، فرفع الرجل بصره إلى الخيّالة آمراً إيّاهم بصوت كالرعد أن يحملوا الأطفال بعيداً حتى يعمّ الهدوء. وامتثل الخيّالة لأمره، فأخذوا يطوفون بنا يلتقطون الأطفال على ظهور الخيل، ويهرعون بهم بعيداً، إلاّ الأطفال الرضّع في أحضان أمهاتهم.

 وما هي إلاّ لحظات حتى عاد الرجال بعد أن تركوا بعضاً منهم في صحبة الأطفال لحراستهم، وتهيّأ الرجل للحديث المقدس قائلاً: "إنّ النفوس تهيم بين الرفعة والضّعة، فتكونون ملائكة أو كلاباً، ولن تضرني معصيتكم ، كما لن تنفعني طاعتكم، وما تخفيه صدوركم أعلمه   كما أعلم حركاتكم وسكناتكم، فلا مناص من الطاعة، أنا الآمر الناهي، المطعم الكاسي، فلا معقب لحكمي، ولا راد لقضائي، أنا النار التي تحرق جلودكم إن عصيتم، وتصهر عظامكم إن مكرتم، وأنا الجنة أمنحها لمن تنطوي على الوفاء قلوبهم، وتطبع خشيتي على أفئدتهم.." ثم يمد يده اليمنى باسطا سوطه.. "فهلاكاً لمن ألمّت به يد العذاب، وساقه قدره الأعمى إلى تجرعه، فهو الحنظل بل أمرّ.. والآن حق عليكم أن تعلنوا الوفاء والطاعة، وما أراها إلاّ بالسجود لعظمتي، فاسجدوا."

وقعت الكلمة الأخيرة في آذاننا كصوت الرعد، ولكنّ ألواح الخشب لم تستطع أن تحني ظهورها إلاّ لوحاً واحداً خرّ ساجداً، وما كان من الربّ المزعوم إلاّ أن تطاير الشرر من عينيه، وصاح مغتاظاً: "أيتها الكلاب النجسة، إن لم تسجدوا طوعاً ألهبت ظهوركم بالسياط حتى تخروا كرهاً، اسجدوا، اسجدوا" وتهيّأ الخيّالة فوق ظهور جيادهم، وبسطوا سياطهم للعذاب، فخرّ القوم يتساقطون سجداً كأنهم أحجار ثقيلة ألقت بها الغربان في ثورة غضب، ولم يبق إلاّ ألواح ثلاثة ظلّت شامخة كالنخيل لا تبالي بغضب الرياح، ولا بثورة الإعصار، وصاح الرجل وهو يقذفنا بنظرات نارية: "ما بكم أيتها الخنازير النافقة؟ أأنتم خير من هؤلاء؟ اسجدوا ومرغوا أنوفكم في الوحل إجلالاً لوجهي، اسجدوا". ولكنّ والدك – رحمه الله- أشار إليه بسبابته في قوة وثبات وردّ عليه في سخط احمرّ له وجهه: "اسمع يا هذا.. ما خلقنا الله لنسجد لبشر ممن خلق، وما أراك إلاّ بشراً مثلنا تنطق بلسان قذر تجرأ على الله كما تجرّأت تلك الظهور – مشيراً إلى القوم بيده وهم سجود – أن تسجد لغيره، فأتوا بما لم يأت به إبليس ذاته، وإنّ..."

 فقاطعه الرجل وقد تحول إلى قطعة فحم تأكل النيران خلاياها: "أيّ دفقة غافلة ألقت بك نطفة قذرة إلى الظلام؟ وأيّ رحم نتن أخرجك إلى النور وجعل لك لساناً تتطاول به على سيدك ومولاك؟". فأجابه والدك متهكما: "ابحث عن ذلك في لوحك المحفوظ" ثم تناولت والدتك طرف الحديث متسائلة في عجب: "أيّ شيطان أغواك أن تصف نفسك بالربّ؟ ما أنت إلاّ شيطان من شياطين الإنس، يا لك من رجل مريض متسلط". فصاح الرجل بأعوانه: "ألهبوا ظهورهم بالسياط حتى يسجدوا".  

 وانهال علينا الخيّالة بسياطهم حتى تمزّقت ملابسنا وسال الدم من أجسادنا، يضربون ويضربون حتى أعياهم الضرب، ولكنّ ظهورنا ما ازدادت إلاّ تصلباً وقلوبنا إلاّ خشية لله وأملاً فيه. وصاح الشيطان فيهم:

 "اربطوهم من أعناقهم وكبّلوا أيديهم وراء ظهورهم واسحبوهم إلى السواقي. هيّا". وانطلقوا بنا، وانطلق الناس خلفنا وهم يتمتمون: "ماذا لو سجدوا؟"... "إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"... "أغبياء أضاعوا أنفسهم في ظلمة الجهل والغرور". وما أن وصل بنا الخيّالة إلى السواقي حتى صاح فيهم الشيطان مشيراً إلى إحدى السواقي: "فكّوا هذا الثور وأكرموه بالطعام والشراب، واربطوا هذين الكلبين، وأكرموا هذا الكلب – مشيراً إلى والدك – هيّا ادفعا الساقية"، وانهالت علينا السياط ونحن في موقف عسير لا نستطيع أن نزدرد ريقنا الجاف، وبعد عناء طويل نطق الشيطان قائلاً:

 "فكّوا هذا الكلب وأوثقوا قدميه، وارفعوه إلى هذا الغصن". وأصبح والدك على الهيئة التي أرادها الشيطان مربوطاً من قدميه، ورأسه متدلّ إلى الأرض فوق قناة صغيرة تجري بها المياه، وقد خلعوا عنه ملابسه إلاّ سرواله، وانهالوا عليه ضرباً بالسياط حتى فقد وعيه، ثم أمرهم الشيطان قائلاً: "الآن جُذّوا لسانه القذر واكتبوا على ظهره "كفر بربّه"، واتركوا دماءه تقطر في القناة حتى يكون عبرة لغيره". فصاحت والدتك وهي تبكي: "لا تفعل أيها الشيطان الأعمى"، فحدجها بنظرة غاضبة ثم صاح كالرعد: "وادفنوا هذه المرأة حيّة تحت هذه الشجرة" ثم كانت ضربة قاسية فوق مؤخرة رأسي فقدت على إثرها الوعي تماماً، كما أنها أفقدتني بصري، فكان أخي وزوجه هما آخر من رأيت. قتلا جزاء إيمانهما. رحمهما الله.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire